بسم الله الرحمن الرحيم
الياقوت والهرَجــــان
(رواية)
********************************
إهــــــــداء
إلى التي حولت الأرض لدي إلى سمــــــاء
وأضفت على ظلمات الغرب سحر الشرق وغرائبيته
إلـــــــى أم الحكــــــي: شهــــــــرزاد
*******************************
1
أم عنتـــــــر
لولا خيال أم عنتر الواسع وذاكرتها الحادة، لما كان لها بين ظهرانينا من وجود، بل لكانت آخر من يلتفت إليه الناظر في حي الدباغ كله. فقد جمعت إلى دمامة الوجه، اعوجاج قوام غريب، حتى لكان الفقيه السي محمد، إمام المسجد ومعلم صغار الحي القرآن الكريم، لا يدعوها إلا العرجون القديم. ولما كبرنا، صرنا جميعًا، كلما مررنا بالآية التي تذكر هذا اللفظ، تقفز إلى أذهاننا للتو صورة أم عنتر. وهكذا، لم تطرح لنا هذه الكلمة، في بداية العهد بها، على مستوى الفهم، أي مشكل يذكر: فالعرجون القديم هو أم عنتر، وبما أن أم عنتر لم تكن موجودة في عهد النزول، فإننا كنا نفهم أن هذا اللفظ يحيل على ما يشبه أم عنتر، وإذن فهو الشخص الدقيق المعوج. وعندما حصلنا المعنى الدقيق، مع تقدم السن وازدياد العلم، لم يبعد المعنى الأصلي كثيرًا عما ترسب في أعماق ذاكرتنا؛ فالاعوجاج هي الصفة البارزة بين الهلال وأم عنتر وسعف النخل.
مهما يكن، فإن أم عنتر كانت هناك. ومع تتالي الأيام، صارت، ولك أن تعجب من ذلك ما شاء لك العجب، مفخرة الحي. كيف لا وهي التي بسببها صار القاصي والداني يقصد حينا للتسوق من حكاياتها، وشحن فراغات الخيال بما لذ وطاب من حيل وبطولات قدامى الأقوام ومن مختلف الأجناس والأديان. كان أبناء سائر الديانات يتجاورون في حكاياتها. فلم يكن مستغربًا لدينا أن نسمع مثلا: كان يسكن بجوار مسلم يهوديٌّ له بنت واحدة، وكان للمسلم ثلاثة أبناء ذكور، ولم يرزقه الله تعالى بالبنت. فكان يتلهف على أن تكون له بنت... وهكذا تطلق أم عنتر إحدى حكاياتها. ومرة تقول: وكان أبو فيروز مجوسيًا، يعبد النار ويعظمها، ويقدم لها البخور والقربان، وقد ربى ابنه على التوجه إليها باعتبارها دالة على إلهه، فكان فيروز يضع بالقرب منه فانوسًا حتى يظل رمز إلهه في متناول ناظره ويده على الدوام. وظل الأمر كذلك زمانـًا طويلا إلى أن شاء الله وظهر له ذات يوم سيدنا لَخْضَر الخَضِر...
ولسنوات عديدة، حافظت أم عنتر على مكانتها كأم الحكايا في حينا وفي الأحياء المجاورة. ليس هذا فحسب، بل كانت المنافِسة الأولى للفقيه السي محمد، بدون منازع. فلقد كانت موسوعتنا التي لا يعلق الشك بما ترويه مطلقـًا. ولم نكتشف حقيقة قصورها إلا بعدما تدرجنا في صفوف المدارس. وإني لأذكر ذلك اليوم الذي بدأ يداخلني فيه الشك في علمها. فلقد سألَـنا المعلمُ السي المدور:
- ما سبب الرعد؟
ورفع كثيرون منا أصابعهم، وكنت أشدهم إلحاحًا على الكلام؛ أقف وأتطاول نحوه بيدي الممدودة مكررًا بصوت كالصراخ: أستاذ، أستاذ، أستاذ... فتوسم في خيرًا، أو لعله ضاق بي ذرعًا، وأذن لي بالكلام، فقلت للتو ولا شيء في العالم يشككني في صحة الجواب:
- سيدنا رعد.
وللحين همدت حركة أبناء القسم، وكانوا جميعًا يلمون بنفس علمي السابق للدراسة النظامية، والمستقى، في معظمه الأعم، من أم عنتر.
قال الأستاذ وكأنما هو يجاريني لاستفراغ جعبتي من كل ما أعلم:
- ومن هو سيدنا رعد؟
- ملاك مكلف بإصدار هذا الصوت الذي ندعوه رعدًا.
ابتسم الأستاذ والتفت نحو الآخرين، حدج الجميع بنظرة ساخرة، وقال:
- من يملك جوابًا غيره؟
لا أحد تحركت فيه أنملة. فتراجع الأستاذ أمام الصف الأوسط، وتوجه إلي بالسؤال مجددًا:
- من أنبأك بهذا الجواب؟
لم يكن السي المدور من حينا ولا من الأحياء المجاورة. كان يقْدِم إلينا بجسمه الثقيل محمَّلا على دراجة نارية من نوع "سوليكس"، وهو النوع الذي كانت تستعمله بكثرة راهبات الكنيسة بحي اليوسفية. فكنا نعجب منه ومما يمتطيه لهذا السبب، فضلا عن هندامه الذي كان يقلد به كبار موظفي الدولة. كنت إذن متأكدًا أو كالمتأكد من أنه لا يعرف شيئـًا عن أم عنتر، رغم شهرتها التي طبقت آفاق سائر الأحياء المتصلة بحينا. بل إن بعض الوافدين كانوا على علاقة بأفراد من أحياء أخرى نائية، فأخبروهم، وشوقوهم، فقدموا وصاروا لأم عنتر روادًا دائمين، مما كان يزيد خياشيمنا اتساعًا، فخرًا بسيدة الحي الأولى. ولعل هذا ما حملني على الاعتقاد في أن ذكر أم عنتر قد يكون بلغ سمع أستاذنا، فأجبته بإيجاز قابل للاستفاضة في التفصيل:
- أم عنتر
قلت ذلك وسكتّ. فما راعني إلا سؤال الأستاذ المستنكر أن يوجد هناك مصدر آخر للعلم لا يدريه:
- مـــن؟
قلت وقد بدأت بعض مخالب الريبة تنشب في مصدر معرفتي:
- أم عنتر.. راوية حكايا الحي !
- أي حي؟
- حي الدباغ !
نفخ والتفت نحو الباقين وأجال فيهم عينين زائغتين كأنما يسألهم: هل تعرفونها؟ ولما كان سائر أبناء القسم من نجباء تلامذة أم عنتر المداومين على حضور حلقاتها، لا يثنيهم عنها شيء ولا يحول دونهم ودون حضورها حائل، وذلك دون أن يكون لها مكتب غياب يراقب من يحضر أو يغيب، كما في مدرستنا، ولا إدارة تطوق الصغار تطويقـًا بضبط الوقت والحرص الدائم على حضور الدروس. معظم التلاميذ كانوا يتخذون مقعدهم في حوش أم عنتر قبل أن يأزف الوقت بكثير، يجاريهم في ذلك باقي الطالبين ومن مختلف الأعمار. كان سر جاذبية الراوية في ما كانت ترويه. فالمادة والطريقة هما سبب الجذب والجاذبية. وهما ما تفتقر إليهما معظم حقول المعرفة المدرَّسة، وخاصة منهما منهج التدريس الذي يكون منفرًا في معظم الأحيان بسبب جفافه وقلة حيلته في تقدير قدرات المخاطـَـب. وفي هذا المضمار، كان لأم عنتر منهجها الذي لا يجارى.
قال أحد المتطوعة:
- هي امرأة تحكي قصص عنتر وسيف ذو اليزن وذات الهمة واحديدان الحرامي وغير ذلك، يا أستاذ.
وحقـًا، كانت تلك الحصة هي بداية تعرف الأستاذ على الجبهة التي عليه أن يشن عليها حروبًا مستديمة طيلة فترة تدريسه بمدرسة الحي. ومن ثمة، راح يتخذ منها نموذجًا للفكر الساذج، بل والخرافي، كأن يقول مثلا في سياق حديثه عن أي موضوع كان:
- وليس كما تجدون في علم أم عنتر الحافل بالخزعبلات !!
يلوي بالعبارة وبما ماثلها لسانه ويمطط منها ما شاء له التمطيط أن يفعل، ويرفق ذلك برسم أسارير من التقزز على محياه، قاصدًا بكل ذلك وبتلويحات منكرة مستنكرة، وكأنه يطرد بعوضـًا صيفيًا جشعًا ملحاحًا لا يخشى صفعات الصافعين ولا اقتناصات المقتنصين، زرع بذور القطع مع عالم أم عنتر وتصوراتها وتوجيهاتها. وواظب على ذلك الحصة تلو الأخرى. فكان لا يدع فرصة تمر إلا وينط على رقبة أم عنتر. لقد أدرك أن أصحاب هذه العقول الصغيرة، لكي يرقى بها إلى العلا، فإنه ينبغي عليه أن يبدأ أولا فيغسل أدمغتهــا غسلا مما علق بها من أحراش الفكر العامي السائد، ومن أعشابه غير المشذبة، ومن نوابته البالغة الأذى.
كتبها فريد نور في 02:02 صباحاً ::
